السبت، 16 نوفمبر 2019

رباعيات عمر الخيام

من هو عمر الخيام 

أسمه ولقبه وكنيته:

هو أبو الفتح غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيام وقد سماه شمس الدين سامي بعمر الخيام بن محمد وسماه واضع حواشي المقالات الأربع بعمر بن إبراهيم، كما سماه تاريخ كزيده سنة 730 وصاحب كشف الظنون فيكون ما ذكره شمس الدين سامي خطأ في ذكر اسم ابيه.
أما كلمة الخيام تدل على أنها لقب له ولعائلته وقد فسر هذا اللقب في رباعيات له قال:
خيام تنت بخيمه ماند راست
جان سلطانيكه منزلش دار بقاست
فراش ازل زبهر ديكر منزل
نه خيمة بيقكند ﭽو سلطان بر خواست
يا خيام إن جسدك بمائل لخيمة حقاً والروح التي منزلها دار البقاء تشبه السلطان فإذا ارتحل السلطان ألا تقوض الخيمة. 

مولده  :

        ولد الخيام في نيسابور، وقد اختلف كل الذين بحثوا في حياة الخيام وأدبه في تاريخ مولده، فإن رجح القول بأنه توفي سنة 517 هـ على ما ذكره صاحب كتاب مجمع الفصحاء وذكر أن الخيام عاش اثنتين وسبعين سنة كما يقول هو في إحدى رباعياته فيكون ميلاده في سنة 445 هـ وذلك بعد اخراج 72 سنة من 517 سنة.
هر كز دل من ز علم محروم نشد
كم ماند ز اسرار كه مفهوم نشد
هفتاد ودو سال عمر كردم شي و روز
معلومم شد كه هيج معلوم نشد
ما حرم قلبي قط من العلم، لم تبق من الأسرار التي فهمتها إلا قليلاً ، فعشت اثنتين وسبعين سنة ليلها ونهارها فعلمت أخيراً بأنني لم أعلم شيئاً أبداً.   

نشأته :




(1) المحامي : أحمد حامد الصراف، عمر الخيام(عصره – سيرته – أدبه فلسفته - رباعياته)، مطبعة دار السلام بغداد – سنة النشر (1350 هـ - 1931 م)، صـ 41، 42

شهرة الخيام

ترجع شهرة الخيام في العصر الحاضر ترجع إلى رباعياته التي اشتهرت في العالم أجمع وترجمت إلى عدد كبير من اللغات. ويرجع السبب في انتشار هذه الرباعيات إلى أنها تتناول مسائل عامة تدور في أذهان البشر في كل مكان وزمان؛ كالحيرة في أسرار الخلق والروح والوجود والعدم، والقول بالجبر، وقصر الحياة الدنيا ومصائبها، ومشاكل الميلاد والموت، ومصير الجسد بعد الموت، كما تتضمن بعض هذه الرباعيات نقداً لاذعاً لأدواء المجتمع.

وفاته:

وتوفى بمدينة نيسابور – وفقاً لقول تلميذه صاحب جهار مقاله – حوالي سنة 527هـ = 1132م، ولا يزال قبره في نيسابور. 

 فن الرباعي

"الرباعي" فن أصيل من فنون الشعر الفارسي، سبق إلى اختراعه الشعراء الإيرانيون، ونظموا فيه منذ بداية الشعر الفارسي الأدبي الإسلامي، ولا يكاد ديوان من دواوينهم يخلو من هذا الضرب من النظم.
وقد نقل العرب عن الفرس فن الرباعي في أزمنة متأخرة؛ ذلك أن هذا الضرب من النظم لم يكن معروفاً بينهم في الشعر العربي القديم، ولعل أقدم ما عرف من الرباعيات في العربية ما جاء في ديوان عمر بن الفارض (632 هـ = 1234م). 

الرباعي من حيث الشكل: عبارة عن بيتين من الشعر يشتملان على أربعة مصاريع تجري على وزن واحد وقافية واحدة، غيرأن المصراع الثالث قد يتفق مع المصاريع الثلاثة الأخر في القافية وقد لا يتفق معها، فلا يشترط في الرباعية إلا تقفية المصاريع: الأول والثاني والرابع. ويعرف الرباعي ذو المصاريع الأربعة المقفاة بالرباعي الكامل، وذو المصاريع الثلاثة المقفاة بالرباعي الخصى.
من حيث الوزن: يختلف وزن الرباعي عن جميع الأوزان العربية المألوفة، فقد تفنن الفرس في أوزان الرباعي فجعلوها على أربعة وعشرين وزنا من مستخرجات بحر الهزج، واستعملوا فيه من الزحاف ما لم يعرف في الشعر العربي القديم.

وللرباعي أسماء فارسية أخرى، فقد يسمى أهل العلم ما يلحن من هذا الضرب"ترانه" بمعنى: نشيد أو نغمة، ويسمون الشعر المجرد منه "دوبيتي" لأنه من حيث البناء لا يزيد عن بيتين. ويقول بعض أدباء الفرس إن الفرق بين الرباعي والدوبيت أنه كلما كانت المصاريع الأربعة على وزن من الأوزان الأربعة والعشرين المتفرعة من بحر الهزج تسمى "رباعي" وإذا لم تكن على هذه الأوزان تسمى "دوبيتي".

الأفكار التي تناولها الخيام في رباعياته 

          تكلمت الرباعيات عن مواضيع كثيرة وبحث في مواضيع شتى وقد تناول بفلسفته ما تناول غيره من المفكرين فتطرق في بحثه عن الحياة وما فيها وخاض المواضيع الطبيعية والرياضية والالهية والعملية وتكلم عن المادة والزمان والفلك والآلة والجبر والتناسخ والبعث والدنيا والعدم ومصير الجسم بعد الموت.

المادة والزمان

           رأى الخيام في المادة والزمان كرأى سائر لفلاسفة الذين كانوا يقولون في قدم المادة والزمان وقد أكثر القول غير مرة بأن لا بدائة ولا نهاية لهذه الدنيا التي جئنا منها ونذهب إليها ورأيه هذا صريح في قدم المادة وخلودها وهو يذهب إلى أن الأجسام متألفة من مادة واحدة وأشكال وصور تختلف عليها والقائل بقدم المادة قائل بقدم الزمان ايضا.
قال:                  آنها كه كهن شدند وأنها كه نوند
                   هر يك  ﭙ از آمدن يكا يك بروند
                   اين كهنه جهان بد كس نماند جاويد
                   رفتند وروند وديكر آيند وروند
أولئك الذين هرموا والذين لا تزالون أحداثاً سيذهب كل منهم فرداً فرداً بعد مجيئه. لا يخلد في هذه الدنيا القديمة أحد ذهبوا ويذهبون ويأتي غيرهم ويذهبون.
وقال:             اين كهنه سراكه عالم او را نام است
                   وآرامكه ابلق صبح وشام است
                   بزميست كه واماند صد جمشيد ست
                   قصريست كه تكيه كاه صد بهرام است
هذا البلاط القديم المسمى بالعالم ومستقر الصباح الوضاء والليل الدامس مجلس فتح بابه لمائة جمشيد وقصر اتكاء على الارائك فيه مائة بهرام.

 الآله

          كان بعض علماء المسلمين يكفرون القائل بقدم العالم ويوصمونه بالعقيدة الدهرية وكانوا يستدلون على واجب الوجود بالاستدلال على كون العالم حادثاً غير قديم لأن الشريعة الإسلامية جاءت بعقيدة التنزيه وتقوم هذه العقيدة على أن الله أزلي ليس له ابتداء وأنه أوجد العالم من العدم فهو لذلك – أي العالم- حادث أما القول في قدم المادة – أي قدم العالم – لا يناقض وجود الله لأن الله واجب بذاته ولأن لهذه الموجودات علة وهي ملازمة له كما يلازم المعلول علته لذلك قال: 
                   كفتي كه ترا عذاب خواهم فرمود
                   هر كز من از ين خبر هر اسم نفزود
                   جايى كه توئى عذاب نبود آنجا
                   و آنجا كه تونيستى كجا خواهد بود
تفضلت قائلاً : أني سوف أعذبك وأنا لم أخش قط هذا الخبر فإن المكان الذي أنت فيه لا يكون فيه عذاب وأين المكان الذي أنت لست فيه

الجبر

        صرح الخيام في رباعياته بعقيدته في الجبر مؤمناً بسيطرته وسلطانه على الكون وما في الكون من أفراد وجماعات وقال غير مرة بأنه دخل هذه الدنيا مضطراً كارهاً وخرج منها مرغماً كارهاً ولو استشير ما أراد ولو خير ما اختار فهو لذلك لا يطمئن إلى الاختيار وبناء عليه فهو جبري بحت، فقد قال في رباعياته التي تضمنت عقيدة الجبر.
قال:               من مي خورم وهركه جو من اهل بود
                   مي خوردن او نزد خرد سهل بود
                   مي خوردن من حق زلزل ميدانست
                   كرمي نخورم علم خدا جهل بود
أنا أشرب الخمرة ويشربها كل من هو أهل لها مثلي فإن شربه لها ليس بصعب في نظر العقل لأن الله كان يعلم منذ الأزل بأني سأشربها فأنا إن لم أشربها فعلمه إذا يكون جهلاً

الروح

من المشاكل العظيمة التى لم يهتد إلى حلها الناس قديماً وحديثاً مشكلة الروح والجدل حول الروح قديم جداً وقد كثرت فيه الاقوال والمعتقدات، وقد ذكر عمر الخيام الروح غير مرة فى رباعياته الامر الذي كان يدل على انه كان يعتقد بوجود الروح لكن الشيء الذى لم نفهمه هو انه هل كان معتقداً بخلود الروح اعتقاد الافلاطيون أم لا: قال
دريا بكه ازروح جدا خو اهى شد
دربرده اسرار فناخو اهى شد
من نوش، نداى زكجا آمده
خوش باش! نداني بكجا خواهى شد
افق! انك ستفترق عن روحك وستفني وراء ستار الاسرار اشرب الخمرة! انك لا تدرى من اين اتيت واسعد! انك لا تعلم إلى اين تذهب

الدنيا

          مقت الخيام الوجود وفضل العدم ووصف الدنيا بدار المحن والمصائب وقد اكثر من ذمها حتى تجاوز الحد والقصد وتشاؤم الخيام هو الذى زهد فى عينه الدنيا وكره اليه الحياة، قال:
جون مردن توم ردن يكباركي است
يكبار ير اين جه بيجاركي است
خونى ونجاستي ومشتى رك وبوست
انكار بنود اين جه غمخوار كي است
لما كان موتك مرة واحدة. مت مرة واحدة. ما هذه المسكنة؟ دم ونجاسة وصم من عظم وجلد فما هذه المحنة من اجل شيء تافه حقير.

تكريم الجسم بعد الموت

          وكم عاتب الخيام الخزاف على جبله الطين باعتساف وكم اوصى الكواز بالرفق وكم صاح بالناس أن يخففوا الوطأ في مشيهم على الأرض قائلاً أن الجام الذي تشربون به الخمر والكوز الذي تشربون منه الماء والتراب الذي تطأونه بأقدامكم هو من عين احور اغن وخد مليحة عذراء ورأس كيخسرو وكف افريدون وهو في كل ذلك يقدم موعظة للمغرورين في الحياة مبيناً لهم مصيرهم وهو في أثناء ذلك ينعي جسده ويبكي جثمانه بحرقة وألم: قال
                   اين كوزه جو من عاشق زاري بودست
                   در بند سر زلف نكارى بودست
                   اين دسته كه در كردن او ميبني
                   دسيست كه در كردن ياري بودست
كان هذا الكواز مثلي صباً قد علق بفرع مليحة هيفاء وهذه العروة التي تراها في جيدها كانت يداً تعتنق إحدى الحسان
                   اين كوزه كران كه دست در كل دارند
                   عقل وخرد وهوش بران بكمارند
                   بر كل لكد وتبانجد تا جند زنند
                   خاك بدنست تا جه ميبندارند 
هؤلاء الكوازون الذين أيديهم في الطين ، منحصرة عقولهم وأفكارهم فيه إلى متى يركلون ويصفعون الطين، هذه أجسام متى هذه الظنون؟

التشاؤم

          التشاؤم مذهب قديم ظهر فى ديانة البوذيين ويقوم على ان العقل يرتأى أن كل شيء فى الدنيا سيء وردي بل اراداً ما يمكن ان يكون وان مجموعة الشرور فى الحياة تتعدى مجموعة الخيرات وقد شملت هذا العقيدة الحياة كلها وكان اساس موضوعها صلة الانسان بالخير والشر وعلاقته باللذة والألم على أنه يجب التفريق بين المتشائم وبين المعتقد بفلسفة التشاؤم فالخيام لم يكن متشائماً بل اندفع إلى التشاؤم بسبب "لا إداريته".
          ولعل الفقر والمرض من أهم الاسباب والعوامل فى تكوين التشاؤم وفيما يلي ثبت فى بعض رباعياته تفصح عن تشاؤمه قال:
مائيم در او فتاده جون مرغ بدام
دلخسته روز كار وآشفته مدام
سر كشته درين دائر هبي در وبام
نا آمده برمراد ونار فته به كام
وقمنا فى هذه الحياة وقوع الطير فى الفخ مفؤدين من الدهر طائشين على الدوام تائهين فى هذه الدائرة التى لا سطح لها ولا باب لا جئنا باختيارنا ولا ذهبنا بإرادتنا(1)



(1) المحامي أحمد حامد الصراف، عمر الخيام الحكيم الرياضي الفلكي النيسابوري ، الطبعة الثالثة ، منشورات مكتبة المثنى ببغداد ، مطبعة المعارف ، 1961 ، صـ 129، 156، PDF